وهبة الزحيلي

98

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

العذاب في نار جهنم ، مع بيان سبب ذلك : وهو عدم الإيمان باللّه العظيم ، والإعراض عن مساعدة المساكين البائسين . التفسير والبيان : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ أي وأما الشقي الذي يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، فيقول حزنا وكربا ، وألما وندما لما رأى فيه من سيئاته وقبيح أعماله : يا ليتني لم أعط كتابي . وهذا دليل على وجود العذاب النفسي قبل العذاب الجسدي . وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ، يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ أي ولم أعلم أيّ شيء حسابي الذي أحاسب به ؛ لأن كله وبال علي ، ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاطعة نهاية الحياة ، ولم أحي بعدها ، فهو يتمنى دوام الموت وعدم البعث ، لما شاهد من سوء عمله ، وما يصير إليه من العذاب . قال قتادة : تمني الموت ، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه . ونظير الآية : وَيَقُولُ الْكافِرُ : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ 78 / 40 ] . ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أي ما أفادني ما لي شيئا ، ولم يدفع عني شيئا من عذاب اللّه ، وفقدت حجتي ، وذهب منصبي وجاهي وملكي ، فلم يدفع عني العذاب ، بل خلص الأمر إلي وحدي ، فلا معين لي ولا مجير . قال أبو حيان : الراجح قول ابن عباس ومن ذكر معه أن السلطان هنا هو الحجة التي كان يحتج بها في الدنيا ؛ لأن من أوتي كتابه بشماله ليس مختصا بالملوك ، بل هو عام في جميع أهل الشقاوة « 1 » . وحينئذ يقول اللّه عز وجل مبينا مصيره وعاقبة أمره :

--> ( 1 ) البحر المحيط : 8 / 325 وما بعدها .